لم يعرف سببا وجيها لاستعادة ذاكرته تلك اللحظات المميتة، رغم الترحيب به
في دائرة "شلة الأنس"، ثلاثة أشهر.
يومها انتفض من سريره على صوت ابنه يصرخ في الشارع الخلفي، بينما يختفي صوت
الـ "توك توك" درجة فأخرى. ساعتها توهم أن الطفل اختفى مع صوت المحرك
الصغير، وبمرور الثواني التي حرقت أحشاءه، كان يتخيل تقطيع الولد إلى أعضاء للبيع.
عاودته تلك الذكرى بشدة، حين خصصوا له مقعدا يكسر الظهر أمام
"كاونتر" عليه شاشة كمبيوتر حديثة، في صالة تحرير الجريدة التي أصدرها مالك
السفن الهارب.
كان يسترق السمع أحيانا إلى المحررين الصغار وهم ينفون تهمة، مفادها أن
الجريدة صدرت للتغطية على غرق العبارة الشهيرة التي أهدت 1300 جثة من ركابها
لأسماك البحر الأحمر.
وبينما كان الجميع ينهمك في العمل، يغمض عينيه قليلا، ليحاور نفسه:
ـ مالذي تبحث عنه في هذا المكان؟
ـ عضوية نقابة الصحفيين.
ـ ماذا عساك لو أن ابنك ضاع في جوف سمكة قرش؟
ـ استغفر الله يا شيخ.
ـ لماذا تداعت أمامك صور سوداء متزاحمة ساعة توهمت اختفاء ابنك في بطن الـ
"توك توك"، فيما استمرأت طعاما هنيئا خلال ثلاثة أشهر في هذا المكان؟
ـ اتق الله يا شيخ.
ـ لاتزال البدل التي تحمل أسماء تجارية عالمية في دولابك، تفخر بعددها، وقد
تورث بعضها لأحفادك دون أن تنزع أكياسها، فلم سجلت اسمك في قائمة "شلة الأنس"؟
ـ نقابة الصحفيين.
ـ ما الفرق بينك وبين من ركبوا الطائرة للعشاء مع صاحب العبارة في مخبئه؟
ـ إيه؟
كان لابد من إجازة، ارتدى بدلة
فاخرة أيضا، وأصر على حجز مقعده في الدرجة الأولى على الطائرة المتجهة إلى باريس،
وحين خرج من مطار "شارل ديجول"، وقف في طابور التاكسي مترددا في اتخاذ
قرار وجهته، وفي التاكسي، ناول السائق عنوان "يوسف" المطرب السوري الذي
يغني القدود الحلبية في مطعم "الديوان اللبناني".
حياه يوسف بمقطوعة يحبها كثيرا، وتبعها بأغنيته المفضلة أيضا: "حول يا
غنام حول.. بات الليلة هون"، ورغم النشوة التي سرت في جسده بفعل الأغنية، علق
عينيه بابتسامة يوسف، متجاهلا تقصعات الفتاة المغربية التي نهضت ترقص وتقطع نفسها
على أنغام "الأورج".
مطعم فاخر يعبق هواؤه برائحة النبيذ الفرنسي، مقعد درجة أولى على الطائرة،
يطمئن نفسه بأن باريس ليست بعيدة عنه، وأنه يستطيع شراء تذكرة سفره من حر ماله كلما
أراد، كما يعزي نفسه بأن "يوسف" يختلف تماما عن السوريين الذين يغنون في
البواخر العائمة على شاطئ النيل.
رغم حبه لأغاني صباح فخري، كان "موال الصبر" يدخل رأسه متقطعا،
حيث استسلم لحواره الذاتي، مجمدا ابتسامته على وجه المغني ذي الصوت العذب:
ـ لماذا لا تتخلص من حقدك عليهم؟
ـ حقد إيه يا راجل؟
لم يكمل السهرة، وفي غرفته طلب من موظف "الكونسيرج" تشغيل وصلة
"الإنترنت".
تواترت الأخبار عنهم: عادت شلة الأنس من لقاء حافل في لندن، حيث شربوا نخب
شهداء العبارة، وحملوا الهدايا وعقود العمل وحلفوا يمين الولاء.
قرأ أيضا مقالة الكاتب الكبير بعنوان: "الذين أكلوا وشربوا من دماء
شهداء العبارة".
ـ لايزال الحقد ينحر في جوفك مثل من يكتبون هذه الأخبار على
"الويب"، لماذا تستكثر عليهم نجاحهم، تضايقك صورهم في الصحف، وترعبك
أصواتهم في الفضائيات، تتابع كتاباتهم وبرامجهم لتبحث عن عيوب تثبت لنفسك من
خلالها أنك أفضل منهم. رغم غضبك منهم، تصر على تحيتهم برسائل قصيرة عبر الهاتف،
إذا كتبوا مقالات جيدة.
ـ حسبي الله ونعم الوكيل.
لا يعينه على هذا الحال سوى الذكريات.
تذكر حينما زار وزارة الداخلية للاطمئنان على أوراق جريدته، يومها سأله
الضابط المسئول عن تخصصها، وتطرق بحديثه إلى "الشلة".
استعرض الرجل يومها عضلات جهازه الذي يرصد كل شيء بالتفصيل عنهم، حتى حساباتهم
في البنوك بالجنيه والدولار واليورو.
قال أيضا إنهم محيرون، حيث تختلف كتاباتهم وآراؤهم في صحف الدولة، عنها في
الصحف المستقلة.
بحذر شديد يرد على الضابط:
ـ لكنهم مكافحون.
يستطرد الضابط كأنه لم يسمع تعليقه:
ـ بينما تأكدوا من أن بناياتهم المتجاورة في الأحياء الراقية ستكتمل بالمستوى
الذي ينقلهم إلى خانة الأثرياء، يسبلون عيونهم على شاشات الفضائيات وهم يتحدثون عن
سكان العشوائيات، ومع أن أبناءهم التحقوا بالمدارس الأجنبية، يترحمون في كتاباتهم
على التعليم الحكومي المجاني الذي رسخ قيمهم.
كان الرجل يقرأ ملحوظاته من ورقة صغيرة احتفظ بها تحت غطاء "طقم
مكتبه":
ـ وعلى الرغم من أن أبناءهم يركبون سيارات فارهة يزاحمون بها أبناء الوزراء
ورجال الأعمال الكبار في شوارع القاهرة الكبرى، مازالوا يتحدثون عن ربكة المرور، والتحرش
في المترو، والبهدلة في المكروباص، وكثرة حوادث السير.
أضاف الضابط، أن أقلهم حظا، يستحوذ على العديد من المناصب التي حجزوها
لأنفسهم، ويتقاضون رواتب كبيرة عن وظائف شرفية لا يعرفون مقاعدها، ويتبادلونها
كهدايا، ومازالوا يعيرون الدولة بالبطالة.
ـ أنت تحاول تطويع ذاكرتك لخدمة أحقادك، الفرق بينك وبينهم أنهم نجحوا في
كسب الحكومة والشعب معا، فيما نجحت أنت في التماهي بعيدا، لتذوب ككتلة ثلج بطلوع
شموسهم كل صبح، وتوهم نفسك بأنك ستغيظهم بدفن مواهبك تحت شجرة زيتون لا تعبأ
بريحهم المؤقتة.
وادي النطرون ـ 2009