إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 2 أكتوبر 2012

ثقب




كانت تتعرى في الليل فيتسع لعريها، وتنام مطبقة عليه، ليتوه وسط ثمارها الغضة.
جادت عليه الصدفة فكانت خيرا من ألف تزاحمن أمام اختياراته.
تختلي بنفسها ساعة في آخر السهرة لتأخذ زينتها، تطلي عمود الجسد بدهان يزيد البياض بريقا، وتخص الحلمتين بلون شفتيها اللتين ينقع فيهما الدم، ثم تنثر على عريها قميصا من الموسلين تجذبه ذرات جسدها الرخامي.
كان إذا دخل غرفتها تشخص إليه قليلا، ثم تفتعل اهتزازة زنبركية تسقط لها حمالتا القميص. تتلوى فتسقط قشرة الموسلين، لتبقى اللبابة رجراجة مرحة، فيهوي عليها.
وفي الليلة التي علت فيها الصرخات في شقتهما، كانا عائدين من زيارة لأمه، الثوب كان فضفاضا، وحجاب رأسها ضاربا على صدرها. دلفا من الباب، فانهارت على الكنبة القريبة قليلا، ثم تصنعت قفزة سريعة صوب باب غرفتها، وبينما جلس الزوج المحب في الصالة، وقفت هي أمام المرآة، فكت حجاب رأسها فانسال ليل رأسها على كتفيها حريرا سخيا.
وحين خرجت صوب الحمام كانت لاتزال بثوبها الفضفاض، دخلت حمامها وأغلقت بابه خلفها، وعلى الرغم من وجوده في الصالة، تخيلته في محيط البانيو يفكك أزرار صدرها، ويفض عن كتفيها قسوة الحمالتين.
طلعت من حالة الهيام بإفاقة مباغتة إثر سقوط كرسي في الصالة خارج الحمام، كانت قد فرغت من خلع ملابسها تماما، فتخطت جدار البانيو برشاقة ورفعت رأسها إلى أعلى مطمئنة إلى تمركزها أسفل رأس الدش، ثم أسلمت نفسها لدفء الماء.
لم يمنعها هسيس الماء من سماع خطوات تقترب من باب الحمام. أرخت ذراعيها مذعورة، وشرعت برأسها قليلا، فلمحت ظلا يقترب من زجاج الباب الفاصل بينهما.
لاحظت شيئا غريبا، فأغلقت خلاط المياه، وكتمت أنفاسها بشدة، ليرتج جسدها خوفا، سمعت صوت اصتدام ركبتيه ببلاط الأرض فارتعدت أكثر، لاحظت أن بريق عينيه الوالعتين ينفذ من ثقب الباب ليشق عريها.
ولما تأكد لها ما كان يحدث من زوجها خلف باب الحمام، ضغطت ثدييها بين كوعيها، وغطت حلمتهيا بكفيها المرتعشتين، ثم ضمت ساقيها بشدة.
حاول كسر الباب ليلبي حاجته التي أسخنت جسده، فصرخت بشدة، ثم انطوت على نفسها وجلست داخل البانيو.
                                                                                
الدراكسة ـ 1992

يخت



 
في عيادة صديقه الطبيب، استسلم لحوار مستحب:
* هل تغيرت بفعل السفر والفلوس؟
ـ حتى الجماد لا يقاوم التغير، وقد اتسعت روحي بفعل النعمة.

* هل وجدت نفسك القديمة في فندق برج العرب الذي أزعجتك مظاهر البذخ فيه؟
ـ الجنة أفضل من برج العرب، والفقراء أيضا سيدخلون الجنة.

* بدون حسد، هل ملكت المليون جنيه؟
ـ ملكته دون أن أعده بأصابعي، وحولته إلى 14 ألف شجرة زيتون في الصحراء.

ــ هل لاتزال تبحث عمن تقدم لهم الخدمات كعادتك القديمة؟
ــ لازلت أقفز "التباب" في الصحراء لألتقط الحشائش من بين أشجار الزيتون في الأراضي الواقعة على جانبي طريقي.

خارج العيادة، وبينما كان يمسك بيديه إطار السيارة، كانت الشوارع زحاما لا يطاق، فاستسلم لنشيده النفسي:
تذكر جيدا حين كان أبوك يفخر بأنك سنده، تمسك الفأس كرجل صحيح وأنت مازلت طفلا غض الكفين نحيل الجسد.
كنت تملأ صندوق العربة الكارو بروث الماشية في وقت قصير، شأن الرجال الكبار، وتطمئن والدك موسميا على اكتمال كومة السباخ في الغيط على حافة الأرض "البرانية"، لتكفي موسم زراعة الأرز أو الذرة الصيفية في الأرض "الجوانية" أيضا.
كنت تسبق أنفار الأجرة في "تلبيخ" أرض الأرز برجليك، كي تكتم أنفاس الحشائش في أوحالها، ولم تكن تعرف فائدة هذا العمل الشاق، فتظن بأبيك القسوة، وتتهمه بأنه يعذبك ويكيل لك من صنوف الويلات، ولم تسامحه وتلتمس له الأعذار إلا حينما تأكدت من فائدة هذه العلمية في كلية الزراعة.
يكفيك فخرا بنفسك أنك توصلت في صباك إلى سر إلهي، ربما لم يفك الله شفرته لأحد غيرك، حين كشف لك أن درجة حرارة الروث والحليب واحدة، رغم أنك تتحسس الأول براحتيك والثاني بشفتيك؟
كان نشيده النفسي يرجه في أنبوب مغلق، فيعود للوراء:
عاد بذاكرته لسرير مصنوع من الخيزران كان مطروحا باسترخاء على حافة مسبح يخت عملاق يطوف حول سارية فندق برج العرب في دبي، تمدد عليه يومها بكبر كأنه يملكه، وألصق ظهره الخشن بمخمله الحنون، معلقا ناظريه بالصليب الذي يخط جبهة البرج العملاق من داخل المياه.
يومها أيضا، تخيل أنه أول من اكتشف رسم الصليب على واجهة الفندق، مسجلا أطول صليب في العالم.
كانت الخادمة الهندية المخصصة لضيافته، تنحنى أمامه بصينية العصير، فيظهر نهداها على استحياء من صدر البلوزة المفتوحة. لم تفلح الأكواب المليئة بالثلج وزجاجة الخمر من إزاحة رائحة الروث التي شقت عباب صحراء شبه الجزيرة العربية، ولم تغتسل في مياه الخليج قبل أن توقظ شعيرات جيوبه الأنفيه.
نظر إلى جسده الممدد ورجليه الملتويتين على الكرسي الأنيق، وبينما كانت الخادمة تبرد أظافر قدميه وتطليهما بطلاء سائل شفاف يحميهما من التقصف، اطمأن لإحكام الروب المنقوش بشعار الفندق الأسطوري حول خصره، وتذكر الشقوق التي لم تكن تغادر أظافره الموحلة.
تذكر جيدا مغزى السؤال الذي انحشر في صدر صديقه الطبيب، قبل أن يجرؤ على النطق به:
ــ هل ما زلت مهتما بالتطابق بين درجة حرارة الروث الطازج، حين كان يسيل من مؤخرة الجاموسة في كفيك، ودرجة حرارة الحليب الذي كنت تسحبه بإصبعيك من ضرعها؟
لاحظ أن الإجابة غير كافية لإشباع نهم الطبيب الصديق وفضوله؟
استعاد لحظات قضاها على اليخت مرة أخرى:
علق عينيه بالصليب المعقود على واجهة فندق برج العرب، كان قرص الشمس يقترب من نهايته ويلتم على نفسه كقنفد خائف، يومها تذكر ركضه خلف البهائم العائدة من وليمتها اليومية في غيط العائلة. سمر عينيه في زهرة الشمس الآفلة، وسرح للوراء، مستبدلا باليخت فرنا بلديا كان يستدفئ بسقفه في ليالي الشتاء، فشعر بالرضا.
الروب الأصفر الفخم، واهتزاز اليخت في مياه الخليلج ينقل إلى مسامات جسده شحنات مكهربة تدغدغ الجسد الذي فككته المطبات تحت عجلات العربة الكارو، فيطمئن ذاته بلحظة انتشاء:
يجب ألا يشغلك الآن أكثر مما أنت ماض فيه.
تعرف أن جثث الموتى تتغير في القبور، يكفيك الإيمان بأن الجنة من نصيب أمثالك الذين كبروا تحت أسقف خشبية "تشر" الماء فوق ألحفة بالية أيام نزول المطر.
القاهرة ـ 2009


جريدة



                                             

نزل إلى الشارع يرصد نتيجة صدور جريدته، متسلحا بالقناعة والثبات، وعاريا من الحقد.
لم ير يومها أحدا يتطلع إليه، أو يشير تجاهه، رغم صورته المكبرة في صدر الصفحة الأولى، كما لم ير تغيرا طرأ على نظافة الشوارع والميادين والأسواق، رغم الصفحة التي خصصها لصور القمامة التي تعج بها الشوارع.
اتصل بمطعمه، فقال المدير إن أزمة الغاز مستمرة، وأخبره مدير المزرعة بأن أسعار السماد والسولار لاتزال مرتفعة، وأن الفرن البلدي في القرية المجاورة للجبل لم يصرف خبزا للعمال، لأن صاحبه العرباوي لا يقيم وزنا للحكومة ولا للصحافة ولا للشرطة، لذا يفضل بيع الدقيق علفا للمواشي.
أخبره سكرتير مكتبه بأن الجريدة لم تنزل إلى السوق، فأيقن أن رجال مباحث أمن الدولة منعوها، لكنه تضخم لمعرفة سر بقاء الحال على ما هو عليه:
ـ نعم ... السبب يرجع لعدم توزيع جريدتي.
يومها التمس عذرا للذين سحبوا الجريدة، حيث كان قد أفرغ فيها زفير صدره وسموم جسده على الذين احتكروا البناء على السواحل، واغتصبوا شواطئ البحرين والنيل معا، لإقامة العوامات والشاليهات والمطاعم.
اشتملت مقالته يومها على توبيخ موظفي البلديات الذين ينهشون أرزاق التجار الصغار، وعلى رجال الشرطة الذين لا يتعقبون المحكومين في قضايا الشيكات، ويتركون الحقوق تموت بانقضاء المدة.
حكى يومها أنه تجاوز الأعراف المهنية، ولمح في مقالته أيضا لأفعال الصحفيين الذين يغمسون أقلامهم في أحواض نفوسهم الضحلة فتأتي كتاباتهم بلون قلوبهم العامرة بالرياء.
يومها ظن أن يكون عمال المطبعة قرأوا المقالة هاتفيا على آذان الصحفيين المقصودين، فطلبوا من الجهات المختصة سحب الجريدة.
كان يوقن في أن الجريدة سوف "تكسر" الدنيا، وستقلب الأوضاع على رؤوس من تناولهم، فحمد الله على مصادرتها، وبقاء الأمل في التغيير بعد إصدارها ذات يوم من حر ماله.  
صحا من حلم اليقظة على صوت آلة تنبيه قوية تحذره من الاحتكاك بالسيارة المجاورة، وبعدها بأمتار قليلة، وجد نسخا من جريدته على بسطة الرصيف المحاذي، وتأكد من وجودها أيضا على نواص متفرقة في القاهرة.


القاهرة ـ 2009



بصل




الرجل عاد من العمرة وعلى رأسه طاقية مكة المكرمة فوق رأسه الحليق، بعد أن غسل قلبه من ماء زمزم ـ على حد قوله.
كل من رآه جامله بأن وجهه أصبح مبيضا بنور الحرمين، وحينما دخل من بوابة المزرعة الكبيرة لم يستأذن، وحتى يداري خجله من العمال، طلب منهم سجادة الصلاة ـ بلهجة آمرة وأنف عالية.
السيد أبو درويش عامل الفلاحة قال له، إنهم يصلون على القش في زاوية البوص، التي أشار إليها، فزجره وعبس في وجهه، وأعلمه بأنه مهندس الأملاك وصديق "الباشا" صاحب المزرعة.
"أبو الخير" زميل "سيد"، أقسم أن الرجل كان يصلي و"عينه زايغة" على كومة البصل القريبة بين شجر الزيتون، وأعلن أنه لم يسترح له أبدا، على الرغم من أنه استغرق في ختام الصلاة وقتا طويلا، وبصوت جهوري.
ما إن انتهى المهندس من صلاته، حتى أمر الرجلين بأن يعبئوا له "شيكارتين" من البصل الكبير، له ولزميله الثاني.
طلب "أبو درويش" تصريحا هاتفيا من صاحب المزرعة، حتى ينفذ له طلبه، فاغتاظ المهندس، وسحب هاتفه من خصره.
رن الرجل وأغلق هاتفه بسرعة، فاتصل به صاحب المزرعة، لينهال الأول على أذنيه بالشكاوى في حق البهيمين اللذين دخل عليهما فجأة، فوجدهما قد أهملا فرز البصل المكوم، كما لم يكرماه وضيفه بعزومة شاي ورغيف عيش.
همهم صاحب المزرعة، فأناخ المهندس صوته، وأخبره بأنه سيترك له هديته المباركة من مكة المكرمة، "سبحة وطاقية"، ووجدها فرصة لتذكيره بنصيبه من أقلام السنة الجديدة، والأجندات، وبعض الهدايا الدعائية لزوم مكتبه في المحافظة.
ـ أما حقي في البصل ياباشا، فسأتركه لحين حضورك شخصيا.
ـ طيب أنا هكلم العمال....
ـ لا أقسم بالله ما اشيل حاجة من المزرعة إلا في وجودك.
أسابيع قليلة، وجاء التقرير من المحافظة مذيلا بتوقيع رئيس حماية الأملاك:
السيد ........
نمهلك ثلاثة أشهر أخرى للإسراع في إثبات الجدية، وإلا ستضطر المحافظة آسفة لفسخ العقد، وطرح الأرض في مزاد علني لمستفيدين آخرين، طبقا لما ورد في شروط العقد.
كان التقرير ذا مغزى واضحا، فتم الاتصال بالمهندس.
ـ ليه يا باش مهندس......
أقسم الرجل بالنبي الذي زاره، بأنه ليس له صلة بالتقرير، وكرر القسم بأنه سيمر عليه في المزرعة الأسبوع المقبل، بسجادة الصلاة التي جلبها له هدية العمرة.

وادي النطرون ـ 2009

الاثنين، 1 أكتوبر 2012

تابوت




زار زوجته في المنام، وأخبرها بأنه وجد في الجنة سندسا أخضر، ولباسا من حرير، وأوصاها أن تستمر في توزيع ملابسه التي اشتراها وخزنها بأكياسها، بعد أن أمنها بحبيبات "النفتالين" خوفا من "العتة".
قالت وهي تحكي لأخواتها: إن زوجها الميت تذكر كل شيء في المنام، كأنه لايزال يعيش بينهم، حيث عدد لها القمصان والبنطلونات، والبلاطي، والكرافتات، والجلابيب البيضاء، وأعطاها الحرية في أن تترك لابنه الوحيد، ما قد يليق به، وما يناسب مقاسه وعمره، من ملابسه التي مازالت جديدة.

كانت كل المؤشرات تدل على أنه "ابن موت فعلا"، ورغم تجمد دموعي، عصرت قلبي كمدا قبالة نعشه الذي انفتح أمامي ليخرج عموده الرخو الأبيض في مشواره الأخير صوب القبر.
 كان إذا ضحك ينفرط كطفل لا يتوقف عن القهقهة إلا إذا سقط أرضا، أو طرق بابه بائع خضرة أو عامل البقالة المجاورة، للسؤال عن حبوب الصداع أو أقراص الضغط والسكر.
كان الدكتور يمنحهم العلاج بحب ودأب، كأنه تموين إجباري، يقبله من مندوبي شركات الأدوية ليوزعه على المحرومين من التأمين الطبي في السعودية، وغالبا ما كان يفحصهم بعفوية على كنبة الصالون القريبة من باب مسكنه الأسري.

غريب أمر هذا الرجل.. كان يخرج من بيته بترتيب لا دخل له فيه، يقصد السوق بخطوات مسرعة، كأن شخصا أرسله في مهمة موقوتة.
لا يجهله بائع، على الرغم من اختلاف جنسياتهم واتساع السوق، كانوا ينتظرونه بحب، لأنه يدفع الفاتورة التي يحددها هو، ثم يخرج من جيب جلبابه الشعبي شرائط الكبسول والحبوب المسجلة سلفا، كل حسب حالته، ويعود حاملا بين يديه "شيلة" جمل.

لم يكن الدكتور يحب المجالسة، وتحسب بيته مسجدا لا يستقبل المصلين إلا أوقات الفروض، وحين تدلف من بابه تشم رائحة الهواء المكتوم الذي تشبع بأنفاس أسرته.

كان يعود من عمله، فينتظر زوجته كعابد أدمن أداء نسكه الخاصة في محرابها، وحين تدخل بيتها لم تجد ما تفعله غير الاسترخاء، فحتى غسيل الملابس والطبخ وكنس البيت ضمه إلى قائمة مهماته، ولم يكن يغفل رص اللحوم بعيدا عن الفواكه في الثلاجات، ومراجعة حسابات البنوك كي يشعرها بالاطمئنان.
كانت إذا راودتها واحدة من أفكار النساء في صرف المال، شغلها بشراء بوتوجاز جديد شاهده في أحد المعارض، أو حاصرها بأقساط قطعة الأرض التي يرى فيها سندها من بعده، كما كان يذكرها كل طلة شهر بضرورة البدء في تشطيب العمارة الجديدة، لذا تبكيه يوميا حين تتحسس فراغ سريرها منه، وحين تتأكد من انسحاب أنفاسه من نسيج المفروشات، وبلاط الأرض ودهان جدران العمارة التي لم يسكنها ليلة واحدة.
ذات صباح نهضت من سريرها وقد عاودتها طاقة الشباب في مفاصلها، هبطت إلى بدروم العمارة تنكت الكراتين والصناديق المرصوصة، استعانت بالحارس وزوجته لنفض الغبار المتراكم عليها.
شرعت تقرأ في الملحوظات التي دونها بخطه على كل كرتونة:
ـ هذه الكرتونة تحتوي على الإكسسوارات الفضية الخاصة بترابيزات شقتنا الجديدة، وطفايات فضية لجهاز البنتين، وفازات كريستال لشقة الولد.
ـ زهور بلاستيك وحرير للشقة الجديدة، و3 برادات زجاجية اشتريتها من مزاد قصر الأمير، "غالية جدا وقابلة للكسر".
ـ عشر بدل "من تخفيضات محل السلطان"، أظن أن الكرافتات الخاصة بها في كرتونة ثانية.
ـ 30 قميص بألوان مختلفة "أسواق العويس".
ـ 20 دستة ملاعق وسكاكين مقاسات مختلفة، "من تصفيات أسواق الرياض".
ـ40 قطعة قماش رجالي ونسائي "تلاتات أمتار"، تصلح هدايا، "تصفيات محلات السويقة"،لا تفتح إلا في وجود "....." أختي.
ـ خلاط مكسور "محتاج التصليح عند أبو العنين"، و16 كوب استانلس "مستعملين"، و20 دستة سلك مواعين استانلس.
قرأت بإمعان ملحوظة كتبت على الكرتونية الأخيرة: "توجد ثلاث كشافات شحن منسية في كرتونة ضائعة، لازم نلقاها، لأنها غالية ونادرة، "مزاد جمعية الرياض الخيرية، للشقة الجديدة".
وقفت الزوجة المسكينة بقلب حائر وعينين دامعتين، وبينما أمرت الحارس بإعادة الكراتين لوضعها الأصلي، رمقت ورقة مطوية بإحكام، وملتصقة بجانب التابوت الخشبي الذي نقل جثمان رفيق العمر. مدت أصابعها بحذر، انتزعتها بعناية، فكتها بترقب، لتقع عيناها على البيانات.
ـ الاسم: ......................
ـ العمر يوم الوفاة: 52 عاما
ـ سبب الوفاة: سكتة قلبية مفاجئة، نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية.

قبضة مميتة تمسك حشاها، رعشة عنيفة ترج قاعها، تسقط من طولها أرضا، وتسلم نفسها لانفجار مدو من الضحك الهستيري والصراخ الموجع.

تجاهلت دعوة الحارس للصعود من القبو، وحين تأكد من رغبتها في الراحة إلى جوار هرم الكراتين، انصرف في هدوء، حيث وجدها تصلي جالسة فوق التابوت الذي احتضنته ثلاث ساعات في رحلة العودة من "قرية البضائع" حتى مثواه الأخير.

الدراكسة ـ 2009

"توك توك"



لم يعرف سببا وجيها لاستعادة ذاكرته تلك اللحظات المميتة، رغم الترحيب به في دائرة "شلة الأنس"، ثلاثة أشهر.
يومها انتفض من سريره على صوت ابنه يصرخ في الشارع الخلفي، بينما يختفي صوت الـ "توك توك" درجة فأخرى. ساعتها توهم أن الطفل اختفى مع صوت المحرك الصغير، وبمرور الثواني التي حرقت أحشاءه، كان يتخيل تقطيع الولد إلى أعضاء للبيع.
عاودته تلك الذكرى بشدة، حين خصصوا له مقعدا يكسر الظهر أمام "كاونتر" عليه شاشة كمبيوتر حديثة، في صالة تحرير الجريدة التي أصدرها مالك السفن الهارب.
كان يسترق السمع أحيانا إلى المحررين الصغار وهم ينفون تهمة، مفادها أن الجريدة صدرت للتغطية على غرق العبارة الشهيرة التي أهدت 1300 جثة من ركابها لأسماك البحر الأحمر.
وبينما كان الجميع ينهمك في العمل، يغمض عينيه قليلا، ليحاور نفسه:
ـ مالذي تبحث عنه في هذا المكان؟
ـ عضوية نقابة الصحفيين.

ـ ماذا عساك لو أن ابنك ضاع في جوف سمكة قرش؟
ـ استغفر الله يا شيخ.
                                                 
ـ لماذا تداعت أمامك صور سوداء متزاحمة ساعة توهمت اختفاء ابنك في بطن الـ "توك توك"، فيما استمرأت طعاما هنيئا خلال ثلاثة أشهر في هذا المكان؟
ـ اتق الله يا شيخ.

ـ لاتزال البدل التي تحمل أسماء تجارية عالمية في دولابك، تفخر بعددها، وقد تورث بعضها لأحفادك دون أن تنزع أكياسها، فلم سجلت اسمك في قائمة "شلة الأنس"؟
ـ نقابة الصحفيين.

ـ ما الفرق بينك وبين من ركبوا الطائرة للعشاء مع صاحب العبارة في مخبئه؟
ـ إيه؟
 كان لابد من إجازة، ارتدى بدلة فاخرة أيضا، وأصر على حجز مقعده في الدرجة الأولى على الطائرة المتجهة إلى باريس، وحين خرج من مطار "شارل ديجول"، وقف في طابور التاكسي مترددا في اتخاذ قرار وجهته، وفي التاكسي، ناول السائق عنوان "يوسف" المطرب السوري الذي يغني القدود الحلبية في مطعم "الديوان اللبناني".
حياه يوسف بمقطوعة يحبها كثيرا، وتبعها بأغنيته المفضلة أيضا: "حول يا غنام حول.. بات الليلة هون"، ورغم النشوة التي سرت في جسده بفعل الأغنية، علق عينيه بابتسامة يوسف، متجاهلا تقصعات الفتاة المغربية التي نهضت ترقص وتقطع نفسها على أنغام "الأورج".
مطعم فاخر يعبق هواؤه برائحة النبيذ الفرنسي، مقعد درجة أولى على الطائرة، يطمئن نفسه بأن باريس ليست بعيدة عنه، وأنه يستطيع شراء تذكرة سفره من حر ماله كلما أراد، كما يعزي نفسه بأن "يوسف" يختلف تماما عن السوريين الذين يغنون في البواخر العائمة على شاطئ النيل.
رغم حبه لأغاني صباح فخري، كان "موال الصبر" يدخل رأسه متقطعا، حيث استسلم لحواره الذاتي، مجمدا ابتسامته على وجه المغني ذي الصوت العذب:

ـ لماذا لا تتخلص من حقدك عليهم؟
ـ حقد إيه يا راجل؟

لم يكمل السهرة، وفي غرفته طلب من موظف "الكونسيرج" تشغيل وصلة "الإنترنت".
تواترت الأخبار عنهم: عادت شلة الأنس من لقاء حافل في لندن، حيث شربوا نخب شهداء العبارة، وحملوا الهدايا وعقود العمل وحلفوا يمين الولاء.
قرأ أيضا مقالة الكاتب الكبير بعنوان: "الذين أكلوا وشربوا من دماء شهداء العبارة".
ـ لايزال الحقد ينحر في جوفك مثل من يكتبون هذه الأخبار على "الويب"، لماذا تستكثر عليهم نجاحهم، تضايقك صورهم في الصحف، وترعبك أصواتهم في الفضائيات، تتابع كتاباتهم وبرامجهم لتبحث عن عيوب تثبت لنفسك من خلالها أنك أفضل منهم. رغم غضبك منهم، تصر على تحيتهم برسائل قصيرة عبر الهاتف، إذا كتبوا مقالات جيدة.
ـ حسبي الله ونعم الوكيل.

لا يعينه على هذا الحال سوى الذكريات.
تذكر حينما زار وزارة الداخلية للاطمئنان على أوراق جريدته، يومها سأله الضابط المسئول عن تخصصها، وتطرق بحديثه إلى "الشلة".
استعرض الرجل يومها عضلات جهازه الذي يرصد كل شيء بالتفصيل عنهم، حتى حساباتهم في البنوك بالجنيه والدولار واليورو.
قال أيضا إنهم محيرون، حيث تختلف كتاباتهم وآراؤهم في صحف الدولة، عنها في الصحف المستقلة.
بحذر شديد يرد على الضابط:
ـ لكنهم مكافحون.
يستطرد الضابط كأنه لم يسمع تعليقه:
ـ بينما تأكدوا من أن بناياتهم المتجاورة في الأحياء الراقية ستكتمل بالمستوى الذي ينقلهم إلى خانة الأثرياء، يسبلون عيونهم على شاشات الفضائيات وهم يتحدثون عن سكان العشوائيات، ومع أن أبناءهم التحقوا بالمدارس الأجنبية، يترحمون في كتاباتهم على التعليم الحكومي المجاني الذي رسخ قيمهم.
كان الرجل يقرأ ملحوظاته من ورقة صغيرة احتفظ بها تحت غطاء "طقم مكتبه":
ـ وعلى الرغم من أن أبناءهم يركبون سيارات فارهة يزاحمون بها أبناء الوزراء ورجال الأعمال الكبار في شوارع القاهرة الكبرى، مازالوا يتحدثون عن ربكة المرور، والتحرش في المترو، والبهدلة في المكروباص، وكثرة حوادث السير.
أضاف الضابط، أن أقلهم حظا، يستحوذ على العديد من المناصب التي حجزوها لأنفسهم، ويتقاضون رواتب كبيرة عن وظائف شرفية لا يعرفون مقاعدها، ويتبادلونها كهدايا، ومازالوا يعيرون الدولة بالبطالة.

ـ أنت تحاول تطويع ذاكرتك لخدمة أحقادك، الفرق بينك وبينهم أنهم نجحوا في كسب الحكومة والشعب معا، فيما نجحت أنت في التماهي بعيدا، لتذوب ككتلة ثلج بطلوع شموسهم كل صبح، وتوهم نفسك بأنك ستغيظهم بدفن مواهبك تحت شجرة زيتون لا تعبأ بريحهم المؤقتة.
وادي النطرون ـ 2009


الأحد، 30 سبتمبر 2012

أوتوبيس




صاح الكمساري بصوته الأجش "الأوتوببيس فاضي" وبدا حلقه الواسع ذو الشفاة العريضة كتجويف مترب، كلما تثاءب.
الأوتوبيس محشو باللحم الخليط، ولم يجد الشاب الملتحي الواقف أمامي موطئا غير مشطي قدمي، وطالما تحجج بالبنت التي تقف في مواجهته، وتختلط مصمصة شفتيها بلغط الركاب.
ناولني الشاب تذكرة كانت في طريقها لراكب خلفي، وبدا وقورا بفعل عينيه الضيقتين ولحيته الخفيفة الطويلة وشاربه الحليق، إضافة إلى بسمته الميتة.
اعتاد النظر خلفا، مبديا الاعتذار، ليسمح لي برؤية شفتين متأففتين، بدت صاحبتهما حريصة على تسريحة شعرها.
في نفق الأوتوبيس، كانت أثداء النساء منضغطة في صدور الرجال، الذين تنحشر سيقانهم في بؤر لا يعلمها إلا الله، وعلى الرغم من ذلك، كان السائق لا يكف عن الزعيق، "يا ناس ارحموا الواقفين ع الباب".
تقلص بطن الأوتوبيس فخلى المقعد المجاور لموقعي، دعاني الشاب الملتحي للجلوس، فدعوتُ البنت الحلوة التي رفضت الجلوس، مبدية خوفها من الالتصاق بشاب ممتلئ يحتكر المقعد الثنائي، فجلست أنا وكانت فرصة لرؤية اكتمال البدر على وجهها، فثبتت عيناي لحظة في عينيها. زفرت الفتاة فجأة زفيرا ساخنا، وانفرجت شفتا القرنفلة المعقودة على فمها الرقيق، وتنهدت.
اندفعت موجة بشرية تجاه الفراغ الجديد، فقذفت الشاب الملتحي على وسادة صدرها ذي الفصين الكاملين، وحين التصق صدغيهما، اختلطت الأنفاس، فهمس: لا حول ولا قوة إلا بالله.
صفعت صيحات الكمساري الآذان من جديد، فهمس الشاب الملتحي: "الضرورات تبيح المحظورات".
ابتسمت البنت بسمة ضيّقة، وعلت وجهها حُمرة مفاجئة، وهمست ببسمة ملتوية: مفيش فايدة.
زاد التلاحم، فارتكزت بذقنها على كتفه، لتقتحم أنوثتها أنفه، خرج زفيره فلف رقبتها بسخونة مخلوطة بملمس لحيته، فانتفضت كسمكة تغلي في صحفة زيت، وذابت دافئة بين أضلاعه، ليهمس ثانيا:
ــ ماشاء الله، فزادته البنت احتواء.
ساعد الضغط المستمر على الالتصاق والتوحد، ليبدأ حوار هامس:
ــ في زحام الأوتوبيس يكثر الزنادقة.
طوّقت خصره وشدت عليه قائلة:
ــ شكلك بريء، ونيّتك صافية.
لحظات ملتهبة عاشها الهائمان كلقمة صلبة في معدة مكتظة، تبلل الوجه القمري بالعرق، علا زفيرها، زادت قوة قبضتها على الخصر الحي، ولم يدركا ما حدث إلا بصياح الكمساري. ذاب لحام جسديهما فجأة، لينشق ماردهما نصفين ساخنين، تحمم وجه البنت بالعرق، نضح الجفنان بسواد الكحل، فمسح خديها بيديه وقبل أن تتفوه، اندلق صوت الكمساري محدثا ضجّة: "العباسية".
فركت البنت ثدييها في صدره العريض، عضّت شفتيه كمن يشرب شربته الأخيرة، ودفعت ما خلفها بردفيها قائلة:
ــ كان لازم انزل في المحطة اللي فاتت
أسبل الشاب عينيه قائلا:
ــ قدّر الله وما شاء فعل.
رتبت البنت صدرها وأحكمت ما بين خصرها، وحاولت الانفلات مع السيل البشري الذي تدفّق إلى الرصيف، فأحكم الشاب قبضته على معصمها قائلا: الأوتوبيس دوّار.
الدراكسة ـ 1992