إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 2 أكتوبر 2012

جريدة



                                             

نزل إلى الشارع يرصد نتيجة صدور جريدته، متسلحا بالقناعة والثبات، وعاريا من الحقد.
لم ير يومها أحدا يتطلع إليه، أو يشير تجاهه، رغم صورته المكبرة في صدر الصفحة الأولى، كما لم ير تغيرا طرأ على نظافة الشوارع والميادين والأسواق، رغم الصفحة التي خصصها لصور القمامة التي تعج بها الشوارع.
اتصل بمطعمه، فقال المدير إن أزمة الغاز مستمرة، وأخبره مدير المزرعة بأن أسعار السماد والسولار لاتزال مرتفعة، وأن الفرن البلدي في القرية المجاورة للجبل لم يصرف خبزا للعمال، لأن صاحبه العرباوي لا يقيم وزنا للحكومة ولا للصحافة ولا للشرطة، لذا يفضل بيع الدقيق علفا للمواشي.
أخبره سكرتير مكتبه بأن الجريدة لم تنزل إلى السوق، فأيقن أن رجال مباحث أمن الدولة منعوها، لكنه تضخم لمعرفة سر بقاء الحال على ما هو عليه:
ـ نعم ... السبب يرجع لعدم توزيع جريدتي.
يومها التمس عذرا للذين سحبوا الجريدة، حيث كان قد أفرغ فيها زفير صدره وسموم جسده على الذين احتكروا البناء على السواحل، واغتصبوا شواطئ البحرين والنيل معا، لإقامة العوامات والشاليهات والمطاعم.
اشتملت مقالته يومها على توبيخ موظفي البلديات الذين ينهشون أرزاق التجار الصغار، وعلى رجال الشرطة الذين لا يتعقبون المحكومين في قضايا الشيكات، ويتركون الحقوق تموت بانقضاء المدة.
حكى يومها أنه تجاوز الأعراف المهنية، ولمح في مقالته أيضا لأفعال الصحفيين الذين يغمسون أقلامهم في أحواض نفوسهم الضحلة فتأتي كتاباتهم بلون قلوبهم العامرة بالرياء.
يومها ظن أن يكون عمال المطبعة قرأوا المقالة هاتفيا على آذان الصحفيين المقصودين، فطلبوا من الجهات المختصة سحب الجريدة.
كان يوقن في أن الجريدة سوف "تكسر" الدنيا، وستقلب الأوضاع على رؤوس من تناولهم، فحمد الله على مصادرتها، وبقاء الأمل في التغيير بعد إصدارها ذات يوم من حر ماله.  
صحا من حلم اليقظة على صوت آلة تنبيه قوية تحذره من الاحتكاك بالسيارة المجاورة، وبعدها بأمتار قليلة، وجد نسخا من جريدته على بسطة الرصيف المحاذي، وتأكد من وجودها أيضا على نواص متفرقة في القاهرة.


القاهرة ـ 2009



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق