إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 30 سبتمبر 2012

أوتوبيس




صاح الكمساري بصوته الأجش "الأوتوببيس فاضي" وبدا حلقه الواسع ذو الشفاة العريضة كتجويف مترب، كلما تثاءب.
الأوتوبيس محشو باللحم الخليط، ولم يجد الشاب الملتحي الواقف أمامي موطئا غير مشطي قدمي، وطالما تحجج بالبنت التي تقف في مواجهته، وتختلط مصمصة شفتيها بلغط الركاب.
ناولني الشاب تذكرة كانت في طريقها لراكب خلفي، وبدا وقورا بفعل عينيه الضيقتين ولحيته الخفيفة الطويلة وشاربه الحليق، إضافة إلى بسمته الميتة.
اعتاد النظر خلفا، مبديا الاعتذار، ليسمح لي برؤية شفتين متأففتين، بدت صاحبتهما حريصة على تسريحة شعرها.
في نفق الأوتوبيس، كانت أثداء النساء منضغطة في صدور الرجال، الذين تنحشر سيقانهم في بؤر لا يعلمها إلا الله، وعلى الرغم من ذلك، كان السائق لا يكف عن الزعيق، "يا ناس ارحموا الواقفين ع الباب".
تقلص بطن الأوتوبيس فخلى المقعد المجاور لموقعي، دعاني الشاب الملتحي للجلوس، فدعوتُ البنت الحلوة التي رفضت الجلوس، مبدية خوفها من الالتصاق بشاب ممتلئ يحتكر المقعد الثنائي، فجلست أنا وكانت فرصة لرؤية اكتمال البدر على وجهها، فثبتت عيناي لحظة في عينيها. زفرت الفتاة فجأة زفيرا ساخنا، وانفرجت شفتا القرنفلة المعقودة على فمها الرقيق، وتنهدت.
اندفعت موجة بشرية تجاه الفراغ الجديد، فقذفت الشاب الملتحي على وسادة صدرها ذي الفصين الكاملين، وحين التصق صدغيهما، اختلطت الأنفاس، فهمس: لا حول ولا قوة إلا بالله.
صفعت صيحات الكمساري الآذان من جديد، فهمس الشاب الملتحي: "الضرورات تبيح المحظورات".
ابتسمت البنت بسمة ضيّقة، وعلت وجهها حُمرة مفاجئة، وهمست ببسمة ملتوية: مفيش فايدة.
زاد التلاحم، فارتكزت بذقنها على كتفه، لتقتحم أنوثتها أنفه، خرج زفيره فلف رقبتها بسخونة مخلوطة بملمس لحيته، فانتفضت كسمكة تغلي في صحفة زيت، وذابت دافئة بين أضلاعه، ليهمس ثانيا:
ــ ماشاء الله، فزادته البنت احتواء.
ساعد الضغط المستمر على الالتصاق والتوحد، ليبدأ حوار هامس:
ــ في زحام الأوتوبيس يكثر الزنادقة.
طوّقت خصره وشدت عليه قائلة:
ــ شكلك بريء، ونيّتك صافية.
لحظات ملتهبة عاشها الهائمان كلقمة صلبة في معدة مكتظة، تبلل الوجه القمري بالعرق، علا زفيرها، زادت قوة قبضتها على الخصر الحي، ولم يدركا ما حدث إلا بصياح الكمساري. ذاب لحام جسديهما فجأة، لينشق ماردهما نصفين ساخنين، تحمم وجه البنت بالعرق، نضح الجفنان بسواد الكحل، فمسح خديها بيديه وقبل أن تتفوه، اندلق صوت الكمساري محدثا ضجّة: "العباسية".
فركت البنت ثدييها في صدره العريض، عضّت شفتيه كمن يشرب شربته الأخيرة، ودفعت ما خلفها بردفيها قائلة:
ــ كان لازم انزل في المحطة اللي فاتت
أسبل الشاب عينيه قائلا:
ــ قدّر الله وما شاء فعل.
رتبت البنت صدرها وأحكمت ما بين خصرها، وحاولت الانفلات مع السيل البشري الذي تدفّق إلى الرصيف، فأحكم الشاب قبضته على معصمها قائلا: الأوتوبيس دوّار.
الدراكسة ـ 1992


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق