إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 30 سبتمبر 2012

شقوق




دخل العريس وخلفه عدد من الرجال، فراحت البنت العانس تغطي شقوق الأرض، وتغلق باب الزريبة، وتخفي المداسات الملحومة االتي أذهب بياضها خضار الوحل والبرسيم.
حط العريس فطار حجاب البنت إلى غير رجعة، وظهر الذي لم يظهر لغيره من الرجال.
قالت الدلالة للعريس إن والد العروس من كبار تجار المواشي في البلد، ورسمت أمام عينيه طريقا إلى دول الخليج، حيث يعمل أخو البنت مدرسا هناك، وحدثته كثيرا عن أختها الكبرى المتزوجة من طبيب يسند الظهر.
سألتُ جارتنا عن سبب قبول "ناهد" للعريس الغريب، فصارحتها بإيماءة مفادها أن ”زامر الحي لا يطرب".
سمعتُ من الجيران أن العريس من عائلة ميسورة، على الرغم من قريته الضئيلة، التي ليس فيها ما يبرر ظاهرة الرؤوس المائلة تجاه الأرض، كأن المشاه يبحثون عن بخت ضائع تحت أقدامهم، فيما تذيع ملابسهم رائحة التراب والعطن.
لم يكن هناك تفسير واضح لنظرات الاشمئزار التي كان العريس يوزعها على شباب القرية من حاضري الخطوبة، فكلنا في نظره مرفوضين من "ناهد" التي نصّبته أميرا على شباب حارتها وقريتها.
انطلقت الزغاريد، ففرحتُ لناهد ـ من باب السعادة بستر البنات قبل فوات العربة الأخيرة من قطار الربيع.
رقصت أختها العانس أمام الكوشة، حتى سقط منديل رأسها، فبانت ضفائرها العجوز، وضاقت عينا العريس عن اشمئزاز مقصود، فمالت العروس على أذنه، ليومئ راضيا وراسما في الهواء بسمة مكابرة.
على الطبلية العائلية في عشاء ما بعد الخطوبة، لم تجلس البنت العانس، وبدا الحرص واضحا على غير عادة، حيث أغلقوا باب الزريبة كي لا تفتحه القطط، وعجّلوا بعقد القران.
ظهرت ناهد بعد الخطوبة كثيرا في الشارع وعلى سور البلكونة، محلولة الرأس، تنط قليلا لتثب ضفائرها على ظهرها المستقيم، وكتفيها المكسوتين بشحم طري يحزه سير حمالة الصدر.
أخذت مشيتها في الحارة أسلوبا جديدا يعتمد النط الرشيق مثل الغزلان، وشفّت ملابسها الجديدة عن جسد طري وملابس داخلية بألوان زاهية، ليبدو الجسد جميلا تحت القمصان المنزلية المستوردة من الخليج.
اعتاد العريس المجيء إلى قريتنا والصلاة في مسجد وسط البلد، فلم يجد ترحيبا من المصلين كعادتهم مع الضيوف، إذ لم يفسحوا له الطريق إلى الصفوف الأمامية، ولم ينظر أحد إلى لحيته المنسّقة لدعوته للإمامة، وعلى باب المسجد، سقطت فردة من حذائه أرضا، فداستها الأقدام كالعادة.
بعد تقادم الخطوبة، بدا أن العريس قد بدّل نظرته إلى القرية، وكأن البيوت كبرت وارتفعت في عينيه، وبدا يتحسس الرصيف أكثر بحذائه المنحوت، ويتضاءل في بدلته الوحيدة، وذات يوم عبث في رباط عنقه القديم، ودلف إلى بيت العروس، كان الباب مفتوحا، وباب الزريبة مركونا قبالته على الحائط، واختُصِر حصير وسط الدار إلى واحدة لا تغطي الشقوق، وعلى طبلية الغداء، التمّت العائلة، العروس بحجابها الذي لم يره من قبل، بينما أحكمت الأخت العانس منديل رأسها، فجلس وسطهم متحسسا رائحة روث ينضحه براح الزريبة على منخاريه.
بعد الغداء وانصراف العريس، سأل الأخ الكبير أمه:
ــ هنعمل إيه؟
ــ هنقدم ميعاد الفرح
كان التراب ثقيلا على الطريق الذي يوصل العريس إلى بلدته، والهواء لزجا على غير عادته، وكلما أغمض الشاب عينيه، تجسّدت بينه وبين ملامح عروسه، باحة واسعة تعجّ بالذباب والسبخ، وتمرح فيها عِجلة ناشفة، وحمار أحدب الظهر، تقترب بطنه من الأرض.

الدراكسة ـ 1992



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق