دعه على طبيعته، يكرم "طوب
الأرض"، ويهيئ الفرص لأحبابه كي يجاملوه.
دعه يتأمل عيوبه التي يعشقها:
إنه لا يعرف الكره، فقط يغضب
كطفل، ثم يسامح من أول طرقة على جدار القلب، وربما يرسل في طلبهم كي يسجلوا
توقيعاتهم على بابه حتى لا يشويه الغضب.
كان يتسلى بالكتابة عن نفسه
أحيانا، وفضل ألا يغوص في قلوبهم كعادته، حتى تخرج كلماته عفوية مثل ذاته التي لم تعد
توافق أمزجتهم.
لن ينسى أبدا تلك اللحظة التي
أسند ظهره فيها للنقالة وفتح عينيه وقلبه على السماء، وكان في طريق غير مضمونة
العودة؟
كان يؤمن ساعتها بأن الله تجاهل
غضبه منهم، وغضبهم عليه، وجعل السماح كلمة السر لدخول غرفة العمليات.
أغمض عينيه وعلق روحه في سقف
غرفة العمليات، واثقا من أن الله هو الذي سيجري الجراحة، وسيعيده لمن يستحقونه
فقط، لأن الله قد استجاب لرغبته في تغيير جسده ورجم شياطينه اللعينة.
بعد إفاقة لم تكن متوقعة، نبذ
المخدر، واستعار روحه القديمة لتصوير قلوبهم. اجتهد في التناغم مع لحظات صنعوها
خصيصا لتقديم نقوط مزيف، أسعده جدا، لأنه أصبح واثقا من أنهم لم يعودوا يملكون
سواه.
راجع قناعاته في سرير النقاهة:
لم يعد يهوى تمثيل الشهامة في طابور المجاملين، ولا ادعاء الكآبة خلف النعوش، لأنه
تأكد فعلا من احترافهم التمثيل الفج في مواكب الجنائز.
قرر أن يهجر اللوم، وأن يفسح
المجال لأن يلقي بعضهم باقة ورد مجففة مثل قلوبهم، عند ناصية مهجورة، شبعت فيها
جيوش النمل من بقايا الخبز والملح المنثورة بين ترابها العتيق.
لا ضير أن يلعن كل اللحظات التي
اجترها على سرير المرض، ولم يمنع نفسه من مط شفتيه كاتما أصواتا حبيسة تقطع
أحشاءه: لا تنسى أخطاءك، أنت تستحق لعناتهم، ما الذي يجبرهم على التسليم بموت تلك
الروح الشريرة التي سكنتك طويلا، "طز فيك".
القاهرة ـ 2009
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق