إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 30 سبتمبر 2012

"بوما"



كانت حيرته قد بلغت ذروتها بعد خروجه من المستشفى إثر جراحة خطيرة، حيث حذره الطبيب من المشي دون حذاء طبي.
ما يحيره فعلا، أن قدميه من الحجم الكبير الذي لا يظهر شياكة الحذاء، فمقاسه 45، ولا حيلة لضبط هندامه مع حذاء المشي الذي يضاعف حجم قدميه تحت رجلي البنطلون.
يوما كاملا قضاه في السيارة، مستمتعا بتنفيذ السائق أوامر الطبيب الجراح، حيث يحرص على إيقاف السيارة بمحاذاة رصيف العمارة الرخامي، ليهبط بسلام فوق مهبط آمن لا يرتج فيه مخه داخل الجمجمة.
رغم حرارة الطقس في القاهرة، استسلم لغوايته في متابعة أقدام المشاة ـ وسط البلد ـ حيث يكثر من يرتدون الجينز وحذاء الرياضة "الكوتشي".
ـ خلاص .. "نايك" هو الأجمل والمناسب.
ـ لا .. أعتقد أن "أديداس" أصغر في شكله العام، ويفيد في تحجيم الأقدام الكبيرة.
ـ لا لا... عزمت على "بوما" أو "فيلا"، فهما الألطف، وقد مدحهما الأطباء، لخبرة شركتيهما في أحذية المشي بالذات، والرياضة بوجه عام.
أخبر زوجته بأن الـ "بوما" آخر ما استقرت عليه نفسه، حيث تناسب مقاسه، وفي الوقت ذاته لها تأثير إيجابي في تصغير القدمين، ومعها يمكن المشي بخطوات سريعة نسبيا، كي ينقص وزنه بالمرة خلال فترة العلاج حتى التئام الجمجمة.
ـ ليست هناك مشكلة، فتكلفة العملية كانت باهظة، فما الذي سيحدث لو أضفنا رزمة جنيهات أخرى إلى الديون؟ هكذا استفمهت زوجته لتزيح عنه هم شعوره بالتثاقل.
استثمرت الزوجة فرصة شكواه المتكررة من ألم الجرح، وصداعه القديم الذي يزوره مرتين يوميا على الأقل، فأخبرته بأنها حجزت موعدا خاصا مع طبيبه بعد ثلاثة أيام.
بدت على الزوجة علامات الإجهاد، وحيره غيابها الدائم عن البيت أكثر من 4 ساعات يوميا، ولم تجد ما تبرر به غيابها سوى برنامج الشكاوى المرة:
ـ ياه .. الزحام لم يعد يطاق .. اليوم يذوب في مشوار واحد داخل القاهرة، التاكسيات لا تصلح لنقل الأغنام، فهي رثة متسخة، كثيرة الأعطال، تنفس حرارتها داخل الكابينة.
كم سمع هذا الحديث منها، لذا لم يفرض على نفسه تصديق هذا السيناريو.
ـ هل تذهب للعمل دون علمه لتسدد ديون الجراحة، وتستر حيلتها المرفوضة بهذه الحكايات عن وسط البلد، وإعلان القرف من المتسولين، وحالة الجشع والكذب التي استولت على الناس، وكثرة إعلانات الطرق التي تتلاصق لدرجة تغشي العيون؟
لاحظ اضطرارها لاستئجار التاكسي أكثر من ثلاث مرات يوميا، ذهابا وإيابا، ولخيبتها، كانت تبتسم أحيانا وهي تحكي سيناريو آخر عن شجار صديقتها مع زوجها، لتثبت أن التاكسي كان وسيلتها في مشاوير الصلح.
انتصف النهار ذات يوم، وكانت لاتزال في سريرها، وحين سألها عن سر عدم خروجها، كان التعب قد تمكن منها فعلا، حيث أشارت بأصابعها إلى ساقيها المتورمتين بفعل المشي.
لم يسمح للحيرة بعصف روحه أكثر من ذلك، فطلب منها بشدة، أن تفصح له عن سر اختفائها أربع ساعات يوميا من البيت، فرمقته بنظرة حادة تبعتها ابتسامة لم تظهر أسنانها.
وبينما رافقته للطبيب في الموعد المزعوم، شاركته فك الأشرطة الحمراء عن علبة كبيرة أوهمته أنها هديته من صديقتها بمناسبة إجراء الجراحة.
يا إلهي:
كان متأكدا من أنها تتحايل لصرف ذهنه عن سر تخبئه عنه، وبينما انشغلت في نزع الشريط الأحمر وفك عقدته الهشة، كان قد شرع في مراقبة وجهها الذي شف بالحمرة.
ولما اقتربت من نزع الشريط، سمرت عيناها في عينيه كمن ترقب ولعه بفك اللغز، ليعلن بما خطر في باله فجأة قبل رفع غطاء الصندوق: "بوما".

الدراكسة ـ 2009   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق