إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 2 أكتوبر 2012

يخت



 
في عيادة صديقه الطبيب، استسلم لحوار مستحب:
* هل تغيرت بفعل السفر والفلوس؟
ـ حتى الجماد لا يقاوم التغير، وقد اتسعت روحي بفعل النعمة.

* هل وجدت نفسك القديمة في فندق برج العرب الذي أزعجتك مظاهر البذخ فيه؟
ـ الجنة أفضل من برج العرب، والفقراء أيضا سيدخلون الجنة.

* بدون حسد، هل ملكت المليون جنيه؟
ـ ملكته دون أن أعده بأصابعي، وحولته إلى 14 ألف شجرة زيتون في الصحراء.

ــ هل لاتزال تبحث عمن تقدم لهم الخدمات كعادتك القديمة؟
ــ لازلت أقفز "التباب" في الصحراء لألتقط الحشائش من بين أشجار الزيتون في الأراضي الواقعة على جانبي طريقي.

خارج العيادة، وبينما كان يمسك بيديه إطار السيارة، كانت الشوارع زحاما لا يطاق، فاستسلم لنشيده النفسي:
تذكر جيدا حين كان أبوك يفخر بأنك سنده، تمسك الفأس كرجل صحيح وأنت مازلت طفلا غض الكفين نحيل الجسد.
كنت تملأ صندوق العربة الكارو بروث الماشية في وقت قصير، شأن الرجال الكبار، وتطمئن والدك موسميا على اكتمال كومة السباخ في الغيط على حافة الأرض "البرانية"، لتكفي موسم زراعة الأرز أو الذرة الصيفية في الأرض "الجوانية" أيضا.
كنت تسبق أنفار الأجرة في "تلبيخ" أرض الأرز برجليك، كي تكتم أنفاس الحشائش في أوحالها، ولم تكن تعرف فائدة هذا العمل الشاق، فتظن بأبيك القسوة، وتتهمه بأنه يعذبك ويكيل لك من صنوف الويلات، ولم تسامحه وتلتمس له الأعذار إلا حينما تأكدت من فائدة هذه العلمية في كلية الزراعة.
يكفيك فخرا بنفسك أنك توصلت في صباك إلى سر إلهي، ربما لم يفك الله شفرته لأحد غيرك، حين كشف لك أن درجة حرارة الروث والحليب واحدة، رغم أنك تتحسس الأول براحتيك والثاني بشفتيك؟
كان نشيده النفسي يرجه في أنبوب مغلق، فيعود للوراء:
عاد بذاكرته لسرير مصنوع من الخيزران كان مطروحا باسترخاء على حافة مسبح يخت عملاق يطوف حول سارية فندق برج العرب في دبي، تمدد عليه يومها بكبر كأنه يملكه، وألصق ظهره الخشن بمخمله الحنون، معلقا ناظريه بالصليب الذي يخط جبهة البرج العملاق من داخل المياه.
يومها أيضا، تخيل أنه أول من اكتشف رسم الصليب على واجهة الفندق، مسجلا أطول صليب في العالم.
كانت الخادمة الهندية المخصصة لضيافته، تنحنى أمامه بصينية العصير، فيظهر نهداها على استحياء من صدر البلوزة المفتوحة. لم تفلح الأكواب المليئة بالثلج وزجاجة الخمر من إزاحة رائحة الروث التي شقت عباب صحراء شبه الجزيرة العربية، ولم تغتسل في مياه الخليج قبل أن توقظ شعيرات جيوبه الأنفيه.
نظر إلى جسده الممدد ورجليه الملتويتين على الكرسي الأنيق، وبينما كانت الخادمة تبرد أظافر قدميه وتطليهما بطلاء سائل شفاف يحميهما من التقصف، اطمأن لإحكام الروب المنقوش بشعار الفندق الأسطوري حول خصره، وتذكر الشقوق التي لم تكن تغادر أظافره الموحلة.
تذكر جيدا مغزى السؤال الذي انحشر في صدر صديقه الطبيب، قبل أن يجرؤ على النطق به:
ــ هل ما زلت مهتما بالتطابق بين درجة حرارة الروث الطازج، حين كان يسيل من مؤخرة الجاموسة في كفيك، ودرجة حرارة الحليب الذي كنت تسحبه بإصبعيك من ضرعها؟
لاحظ أن الإجابة غير كافية لإشباع نهم الطبيب الصديق وفضوله؟
استعاد لحظات قضاها على اليخت مرة أخرى:
علق عينيه بالصليب المعقود على واجهة فندق برج العرب، كان قرص الشمس يقترب من نهايته ويلتم على نفسه كقنفد خائف، يومها تذكر ركضه خلف البهائم العائدة من وليمتها اليومية في غيط العائلة. سمر عينيه في زهرة الشمس الآفلة، وسرح للوراء، مستبدلا باليخت فرنا بلديا كان يستدفئ بسقفه في ليالي الشتاء، فشعر بالرضا.
الروب الأصفر الفخم، واهتزاز اليخت في مياه الخليلج ينقل إلى مسامات جسده شحنات مكهربة تدغدغ الجسد الذي فككته المطبات تحت عجلات العربة الكارو، فيطمئن ذاته بلحظة انتشاء:
يجب ألا يشغلك الآن أكثر مما أنت ماض فيه.
تعرف أن جثث الموتى تتغير في القبور، يكفيك الإيمان بأن الجنة من نصيب أمثالك الذين كبروا تحت أسقف خشبية "تشر" الماء فوق ألحفة بالية أيام نزول المطر.
القاهرة ـ 2009


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق