إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 2 أكتوبر 2012

بصل




الرجل عاد من العمرة وعلى رأسه طاقية مكة المكرمة فوق رأسه الحليق، بعد أن غسل قلبه من ماء زمزم ـ على حد قوله.
كل من رآه جامله بأن وجهه أصبح مبيضا بنور الحرمين، وحينما دخل من بوابة المزرعة الكبيرة لم يستأذن، وحتى يداري خجله من العمال، طلب منهم سجادة الصلاة ـ بلهجة آمرة وأنف عالية.
السيد أبو درويش عامل الفلاحة قال له، إنهم يصلون على القش في زاوية البوص، التي أشار إليها، فزجره وعبس في وجهه، وأعلمه بأنه مهندس الأملاك وصديق "الباشا" صاحب المزرعة.
"أبو الخير" زميل "سيد"، أقسم أن الرجل كان يصلي و"عينه زايغة" على كومة البصل القريبة بين شجر الزيتون، وأعلن أنه لم يسترح له أبدا، على الرغم من أنه استغرق في ختام الصلاة وقتا طويلا، وبصوت جهوري.
ما إن انتهى المهندس من صلاته، حتى أمر الرجلين بأن يعبئوا له "شيكارتين" من البصل الكبير، له ولزميله الثاني.
طلب "أبو درويش" تصريحا هاتفيا من صاحب المزرعة، حتى ينفذ له طلبه، فاغتاظ المهندس، وسحب هاتفه من خصره.
رن الرجل وأغلق هاتفه بسرعة، فاتصل به صاحب المزرعة، لينهال الأول على أذنيه بالشكاوى في حق البهيمين اللذين دخل عليهما فجأة، فوجدهما قد أهملا فرز البصل المكوم، كما لم يكرماه وضيفه بعزومة شاي ورغيف عيش.
همهم صاحب المزرعة، فأناخ المهندس صوته، وأخبره بأنه سيترك له هديته المباركة من مكة المكرمة، "سبحة وطاقية"، ووجدها فرصة لتذكيره بنصيبه من أقلام السنة الجديدة، والأجندات، وبعض الهدايا الدعائية لزوم مكتبه في المحافظة.
ـ أما حقي في البصل ياباشا، فسأتركه لحين حضورك شخصيا.
ـ طيب أنا هكلم العمال....
ـ لا أقسم بالله ما اشيل حاجة من المزرعة إلا في وجودك.
أسابيع قليلة، وجاء التقرير من المحافظة مذيلا بتوقيع رئيس حماية الأملاك:
السيد ........
نمهلك ثلاثة أشهر أخرى للإسراع في إثبات الجدية، وإلا ستضطر المحافظة آسفة لفسخ العقد، وطرح الأرض في مزاد علني لمستفيدين آخرين، طبقا لما ورد في شروط العقد.
كان التقرير ذا مغزى واضحا، فتم الاتصال بالمهندس.
ـ ليه يا باش مهندس......
أقسم الرجل بالنبي الذي زاره، بأنه ليس له صلة بالتقرير، وكرر القسم بأنه سيمر عليه في المزرعة الأسبوع المقبل، بسجادة الصلاة التي جلبها له هدية العمرة.

وادي النطرون ـ 2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق