زار زوجته في المنام، وأخبرها بأنه
وجد في الجنة سندسا أخضر، ولباسا من حرير، وأوصاها أن تستمر في توزيع ملابسه التي
اشتراها وخزنها بأكياسها، بعد أن أمنها بحبيبات "النفتالين" خوفا من "العتة".
قالت وهي تحكي لأخواتها: إن زوجها
الميت تذكر كل شيء في المنام، كأنه لايزال يعيش بينهم، حيث عدد لها القمصان
والبنطلونات، والبلاطي، والكرافتات، والجلابيب البيضاء، وأعطاها الحرية في أن تترك
لابنه الوحيد، ما قد يليق به، وما يناسب مقاسه وعمره، من ملابسه التي مازالت جديدة.
كانت كل المؤشرات تدل على أنه "ابن
موت فعلا"، ورغم تجمد دموعي، عصرت قلبي كمدا قبالة نعشه الذي انفتح أمامي
ليخرج عموده الرخو الأبيض في مشواره الأخير صوب القبر.
كان إذا ضحك ينفرط كطفل لا يتوقف عن القهقهة إلا
إذا سقط أرضا، أو طرق بابه بائع خضرة أو عامل البقالة المجاورة، للسؤال عن حبوب
الصداع أو أقراص الضغط والسكر.
كان الدكتور يمنحهم العلاج بحب
ودأب، كأنه تموين إجباري، يقبله من مندوبي شركات الأدوية ليوزعه على المحرومين من
التأمين الطبي في السعودية، وغالبا ما كان يفحصهم بعفوية على كنبة الصالون القريبة
من باب مسكنه الأسري.
غريب أمر هذا الرجل.. كان يخرج من
بيته بترتيب لا دخل له فيه، يقصد السوق بخطوات مسرعة، كأن شخصا أرسله في مهمة موقوتة.
لا يجهله بائع، على الرغم من
اختلاف جنسياتهم واتساع السوق، كانوا ينتظرونه بحب، لأنه يدفع الفاتورة التي
يحددها هو، ثم يخرج من جيب جلبابه الشعبي شرائط الكبسول والحبوب المسجلة سلفا، كل
حسب حالته، ويعود حاملا بين يديه "شيلة" جمل.
لم يكن الدكتور يحب المجالسة،
وتحسب بيته مسجدا لا يستقبل المصلين إلا أوقات الفروض، وحين تدلف من بابه تشم
رائحة الهواء المكتوم الذي تشبع بأنفاس أسرته.
كان يعود من عمله، فينتظر زوجته
كعابد أدمن أداء نسكه الخاصة في محرابها، وحين تدخل بيتها لم تجد ما تفعله غير
الاسترخاء، فحتى غسيل الملابس والطبخ وكنس البيت ضمه إلى قائمة مهماته، ولم يكن
يغفل رص اللحوم بعيدا عن الفواكه في الثلاجات، ومراجعة حسابات البنوك كي يشعرها
بالاطمئنان.
كانت إذا راودتها واحدة من أفكار
النساء في صرف المال، شغلها بشراء بوتوجاز جديد شاهده في أحد المعارض، أو حاصرها
بأقساط قطعة الأرض التي يرى فيها سندها من بعده، كما كان يذكرها كل طلة شهر بضرورة
البدء في تشطيب العمارة الجديدة، لذا تبكيه يوميا حين تتحسس فراغ سريرها منه، وحين
تتأكد من انسحاب أنفاسه من نسيج المفروشات، وبلاط الأرض ودهان جدران العمارة التي
لم يسكنها ليلة واحدة.
ذات صباح نهضت من سريرها وقد
عاودتها طاقة الشباب في مفاصلها، هبطت إلى بدروم العمارة تنكت الكراتين والصناديق
المرصوصة، استعانت بالحارس وزوجته لنفض الغبار المتراكم عليها.
شرعت تقرأ في الملحوظات التي دونها
بخطه على كل كرتونة:
ـ هذه الكرتونة تحتوي على
الإكسسوارات الفضية الخاصة بترابيزات شقتنا الجديدة، وطفايات فضية لجهاز البنتين،
وفازات كريستال لشقة الولد.
ـ زهور بلاستيك وحرير للشقة
الجديدة، و3 برادات زجاجية اشتريتها من مزاد قصر الأمير، "غالية جدا وقابلة
للكسر".
ـ عشر بدل "من تخفيضات محل
السلطان"، أظن أن الكرافتات الخاصة بها في كرتونة ثانية.
ـ 30 قميص بألوان مختلفة
"أسواق العويس".
ـ 20 دستة ملاعق وسكاكين مقاسات
مختلفة، "من تصفيات أسواق الرياض".
ـ40 قطعة قماش رجالي ونسائي "تلاتات
أمتار"، تصلح هدايا، "تصفيات محلات السويقة"،لا تفتح إلا في وجود
"....." أختي.
ـ خلاط مكسور "محتاج التصليح
عند أبو العنين"، و16 كوب استانلس "مستعملين"، و20 دستة سلك مواعين
استانلس.
قرأت بإمعان ملحوظة كتبت على الكرتونية
الأخيرة: "توجد ثلاث كشافات شحن منسية في كرتونة ضائعة، لازم نلقاها، لأنها غالية
ونادرة، "مزاد جمعية الرياض الخيرية، للشقة الجديدة".
وقفت الزوجة المسكينة بقلب حائر
وعينين دامعتين، وبينما أمرت الحارس بإعادة الكراتين لوضعها الأصلي، رمقت ورقة
مطوية بإحكام، وملتصقة بجانب التابوت الخشبي الذي نقل جثمان رفيق العمر. مدت
أصابعها بحذر، انتزعتها بعناية، فكتها بترقب، لتقع عيناها على البيانات.
ـ الاسم: ......................
ـ العمر يوم الوفاة: 52 عاما
ـ سبب الوفاة: سكتة قلبية مفاجئة،
نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية.
قبضة مميتة تمسك حشاها، رعشة عنيفة
ترج قاعها، تسقط من طولها أرضا، وتسلم نفسها لانفجار مدو من الضحك الهستيري
والصراخ الموجع.
تجاهلت دعوة الحارس للصعود من
القبو، وحين تأكد من رغبتها في الراحة إلى جوار هرم الكراتين، انصرف في هدوء، حيث
وجدها تصلي جالسة فوق التابوت الذي احتضنته ثلاث ساعات في رحلة العودة من "قرية
البضائع" حتى مثواه الأخير.
الدراكسة ـ 2009
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق